الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
198
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا كالتكملة لقوله : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [ النساء : 79 ] باعتبار ما تضمّنه من ردّ اعتقادهم أنّ الرسول مصدر السيّئات التي تصيبهم ، ثم من قوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النساء : 79 ] إلخ ، المؤذن بأنّ بين الخالق وبين المخلوق فرقا في التأثير وأنّ الرسالة معنّى آخر فاحترس بقوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ عن توهّم السامعين التفرقة بين اللّه ورسوله في أمور التشريع ، فأثبت أنّ الرسول في تبليغه إنّما يبلّغ عن اللّه ، فأمره أمر اللّه ، ونهيه نهي اللّه ، وطاعته طاعة اللّه ، وقد دلّ على ذلك كلّه قوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لاشتمالها على إثبات كونه رسولا واستلزامها أنّه يأمر وينهى ، وأنّ ذلك تبليغ لمراد اللّه تعالى ، فمن كان على بيّنة من ذلك أو كان في غفلة فقد بيّن اللّه له اختلاف مقامات الرسول ، ومن تولّى أو أعرض واستمرّ على المكابرة فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، أي حارسا لهم ومسؤولا عن إعراضهم ، وهذا تعريض بهم وتهديد لهم بأن صرفه عن الاشتغال بهم ، فيعلم أنّ اللّه سيتولّى عقابهم . والتولّي حقيقته الانصراف والإدبار ، وقد تقدّم في قوله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها [ البقرة : 205 ] وفي قوله : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ في سورة البقرة [ 142 ] . واستعمل هنا مجازا في العصيان وعدم الإصغاء إلى الدعوة . ثم بيّن أنّهم لضعف نفوسهم لا يعرضون جهرا بل يظهرون الطاعة ، فإذا أمرهم الرسول أو نهاهم يقولون له طاعَةٌ أي : أمرنا طاعة ، وهي كلمة يدلّون بها على الامتثال ، وربما يقال : سمع وطاعة ، وهو مصدر مرفوع على أنّه خبر لمبتدأ محذوف ، أي أمرنا أو شأننا طاعة ، كما في قوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * [ يوسف : 18 ] . وليس هو نائبا عن المفعول المطلق الآتي بدلا من الفعل الذي يعدل عن نصبه إلى الرفع للدلالة على الثبات مثل « قال سلام » ، إذ ليس المقصود هنا إحداث الطاعة وإنّما المقصود أنّنا سنطيع ولا يكون منّا عصيان . ومعنى بَرَزُوا خرجوا ، وأصل معنى البروز الظهور ، وشاع إطلاقه على الخروج مجازا مرسلا . و بَيَّتَ هنا بمعنى قدّر أمرا في السّرّ وأضمره ، لأنّ أصل البيات هو فعل شيء في الليل ، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار ، لأنّ الليل أكتم للسرّ ، ولذلك يقولون : هذا